محمد بن جرير الطبري
88
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
تعقلون يقول : إن كان لكم عقول تعقلون بها ما يقال لكم ، وتفهمون بها ما تسمعون مما يعين لكم . فلما أخبرهم عليه السلام بالأمر الذي علموا أنه الحق الواضح ، إذ كان فرعون ومن قبله من ملوك مصر لم يجاوز ملكهم عريش مصر ، وتبين لفرعون ومن حوله من قومه أن الذي يدعوهم موسى إلى عبادته ، هو الملك الذي يملك الملوك . قال فرعون حينئذ استكبارا عن الحق ، وتماديا في الغي لموسى : لئن اتخذت آلها غيري يقول : لئن أقررت بمعبود سواي لأجعلنك من المسجونين يقول : لأسجننك مع من في السجن من أهله . القول في تأويل قوله تعالى : * ( قال أولو جئتك بشئ مبين قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين ) * . يقول تعالى ذكره : قال موسى لفرعون لما عرفه ربه ، وأنه رب المشرق والمغرب ، ودعاه إلى عبادته وإخلاص الألوهة له ، وأجابه فرعون بقوله لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين : أتجعلني من المسجونين ولو جئتك بشئ مبين يبين لك صدق ما أقول يا فرعون وحقيقة ما أدعوك إليه ؟ وإنما قال ذلك له ، لان من أخلاق الناس السكون للانصاف ، والإجابة إلى الحق بعد البيان فلما قال موسى له ما قال من ذلك ، قال له فرعون : فأت بالشئ المبين حقيقة ما تقول ، فإنا لن نسجنك حينئذ إن اتخذت إلها غيري إن كنت من الصادقين : يقول : إن كنت محقا فيما تقول ، وصادقا فيما تصف وتخبر . فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين يقول جل ثناؤه : فألقى موسى عصاه فتحولت ثعبانا ، وهي الحية الذكر كما قد بينت فيما مضى قبل من صفته وقوله مبين يقول : يبين لفرعون والملا من قومه أنه ثعبان . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 20214 - حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن أبي بكر بن عبد الله ، عن شهر بن حوشب ، عن ابن عباس ، قوله فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين يقول : مبين له خلق حية . وقوله : ونزع يده فإذا هي بيضاء يقول : وأخرج موسى يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع للناظرين لمن ينظر إليها ويراها .